ابن خلكان
422
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
بأصحاب الرسوم على مراتبهم ، فيستعرضون بآلاتهم التامة وبدوابهم الفره ، ويطالبون بجميع ما يحتاج إليه الفارس والراجل من صغير آلة وكبيرها ، فمن أخلّ بإحضار شيء منها حرموه رزقه ، فاعترض يوما فارسا كانت دابته في غاية الهزال ، فقال له عمرو : يا هذا تأخذ مالنا تنفقه على امرأتك فتسمنها ، وتهزل دابتك التي عليها تحارب وبها تجد الأرزاق ؟ امض فليس لك عندي شيء ، فقال له الجندي : جعلت لك الفداء ، لو اعترضت امرأتي لاستسمنت دابتي ، فضحك عمرو وأمر بإعطائه وقال : استبدل بدابتك . قلت : ذكر القاضي كمال الدين ، المعروف بابن العديم الحلبي رحمه اللّه تعالى ، في « تاريخ حلب » حكاية يليق أن أذكرها هاهنا ، لأنها مثل هذه الحكاية ، وهي : كان كسرى أنوشروان بن قباذ قد ولى رجلا من الكتاب نبيها ، معروفا بالعقل والكفاية ، يقال له بابك بن النهروان ، ديوان الجند ، فقال لكسرى : أيها الملك ، إنك قد قلدتني أمرا من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور وهي عرض الجنود في كل أربعة أشهر ، وآخذ كل طبقة بكمال آلتها ومحاسبة المؤدبين على ما يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم ، فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها ، فقال كسرى : ما المجاب بما سأل بأحظى من المجيب ، لاشتراكهما في فضله ، وانفراد المجيب بعد بالراحة ، حقق مقالتك ، فأمر فبنيت له في موضع العرض مصطبة ، وبسط له عليها الفرش الفاخرة ، ثم جلس ونادى مناديه : لا يبقين أحد من المقاتلة إلا حضر للعرض ، فاجتمعوا ولم ير كسرى ، فأمرهم فانصرفوا ، وفعل ذلك في اليوم الثاني ، ولم ير كسرى فيهم فأمرهم فانصرفوا ، فنادى في اليوم الثالث : أيها الناس لا يتخلفن من المقاتلة أحد ، ولا من أكرم بالتاج والسرير ، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة ، وبلغ كسرى ذلك ، فتسلح بسلاحه ثم ركب فاعترض على بابك ، وكان الذي يؤخذ به الفارس تجفافا ودرعا وجوشنا وبيضة ومغفرا وساعدين وساقين ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا وعمودا ، وجعبة فيها قوسان بوتريهما ، ثلاثين نشابة ، ووترين